السبت، 13 أكتوبر 2018

حلم أول

حلم أول

شعــــــر
عبـد الســـلام مصبـــاح




1 -
أَحْلُـمُ....
أَحْلُـمُ بِامْـرَأَةٍ
تَأْتِينِـي مِـنْ أَقْصَـى الْيَـأْسِ الْمُترَاكَـمِ
مِـنْ أَقْبِيَـةِ الْحُـزْنِ
وَمِـنْ أَكْـوَامِ الْقَهْـرِ...
مُحَمَّلَـةً بِالصَّبَـوَاتِ
وَبِالْعِشْـقِ
وَبِالـدِّفْءِ
وَتُلْبِسُنِـي ثَـوْبَ الأُلْفَـةِ
وَالرَّحْمَـة.

2 -
أَحْلُـمُ....
أَحْلُـمُ بِامْـرَأَةٍ
لاَ تُشْبِهُهَـا وَاحِـدٌ فِـي السِّـرْبِ
امْـرَأَةٍ تُسْكِنُنِـي جَفْنَيْهَـا
تَمْسَـحُ عَـنْ شَعْـرِي الأَبْيَـضِ
أَزْمِنَـةَ الإِحْبَـاطِ
وَأَتْرِبَـةِ الْخَيْبَـة،
وَتُقَاسِمُنِـي مِثْـلَ جَمِيـعِ الْبُسَطَـاءِ
فَطِيـرَ الْخُبْـزِ الأَسْمَـرِ
الشَّـايَ
وَحَبَّـاتِ الزَّيْتُـون...
وَأُقَاسِمُهـا فَاكِهَـةَ الْهَمْـسِ
وَالْكَلِمَـاتِ الطَّيِّبَـة،
وَتُقَاسِمُنِـي تَعَـبِ الرِّحْلَـةِ
فِـي صَحْـرَاءِ الْحَـرْفِ
وَبَيْـنَ شِعَـابِ الْهَـمِّ الْيَوْمِـيِّ.


3 -
أَحْلُـمُ....
أَحْلُـمُ بِامْـرَأَةٍ
تُوقِـدُ فِـي جَسَـدِي
نَـارَ الْحُـبِّ،
وَتُوقِـظُ فِـي أَعْمَاقِـي الْحُلْـمَ الْمُتَأَجِّـجَ
وَالُّلغَـةَ الْمَأْهُولَـةَ بِالْبَـوْحِ
وَبِالشَّـوْقِ الْمُصَـادَرِ...
امْـرَأَةٍ
تُخْرِجُنِـي مِـنْ شَرْنَقَتِـي
مِـنْ أَمْتِعَـةِ الَّليْـلِ
حُرُوفـاً
وَتُطْرِزُنِـي فِـي وِزْرَتِهَـا
أَوْ تَرْسُمُنِـي تَحْـتَ الْهُـدْبِ
فَرَاشَـاتٍ
أَوْ حَقْـلَ الْقَمْـحِ .

4 -
أَحْلُـمُ....
أَحْلُـمُ بِامْـرَأَةٍ
لاَ تَبْـذُرُ فِـي مَـرْجِ الْقَلْـبِ
قُشُـورَ الْحُـبِّ
وَلاَ تَفْتَـحُ لِلصَّرَخَـاتِ نَوَافِذَهَـا
امْـرَأَةٍ
تَغْسِـلُ وَجْـهَ الصُّبْـحِ
بِعِطْـرِ الْبَسَمَـات
وَتَسْقِينِـي مِـنْ نَبْـعِ الْحُـبِّ
كُـؤُوسَ الأَمَـل .

الثلاثاء، 19 فبراير 2013

الثلاثاء، 10 يناير 2012

العدد57من مجلة الكلمة


العدد57
م
ن
مجلة الكلمة

www.alkalimah.net
العدد 57 من مجلة الكلمة: عدد ممتاز يفتتح عامها السادس
مئوية محمود المسعدي ونجيب محفوظ، وفرانز فانون واحتفال بثورة تونس
دراسات تتناول مسارات الثورة والتنظير لها




تبدأ مجلة«الكلمة»، بهذا العدد الممتاز، عدد57 يناير2012، عامها السادس، بعد أن واكبت في عامها الخامس زخم الربيع العربي الذي بشرت به وشاركت فيه. فإذا كانت الثورة العربية الوليدة، كما تقول افتتاحية رئيس تحريرها الدكتور صبري حافظ في هذا العدد، تطرح بداية جديدة للتاريخ في مواجهة الدعاوى الكاذبة بنهاية التاريخ، فقد كانت (الكلمة) داعية لكتابة تاريخ جديد وخطاب حر مستقل، يواجه خطابات الهيمنة الزائفة ويفضح تدليس مبرري القهر والتبعية والاستبداد. فقد راهنت من البداية على العقل والوعي وحرية الرأي واستقلال المثقف. وهذا الرهان هو الذي يحدوها في هذا العدد لتخصيص محور خاص من أربع مقالات للاحتفاء بمئوية الكاتبين الكبيرين نجيب محفوظ ومحمود المسعدي، وآخر من شهادتين عن الثورة التونسية، والاهتمام بمرور خمسين عاما على رحيل المفكر الكبير فرانز فانون وطرح رؤاه على قرائها. وتنشر (الكلمة) كعادتها رواية جديدة، ومجموعة قصصية صغيرة وعددا من الدراسات والمقالات التي تتناول مسارات الثورة، والتنظير لها، فضلا عن شهادتين على الثورة التونسية: أولاهما عن أيام الثورة المجيدة ونضال إنسانها العادي، والثانية عن احتفالها بعيدها الأول في سيدي بوزيد التي انطلقت شرارتها من رماد حرق محمد بوعزيزي لنفسه فيها. إلى جانب المزيد من القصائد والقصص، وأبواب {الكلمة} المعهودة من دراسات وشعر وقص وعلامات ونقد ومراجعات كتب وشهادات ورسائل وتقارير وأنشطة ثقافية، لتواصل (الكلمة) مسيرتها بقوة دفع أكبر، وبمزيد من أحدث إنجازات كتابنا من مختلف أنحاء الوطن العربي.
في باب دراسات، واحتفاء بمئوية المسعدي ومحفوظ يحتفي العدد الجديد من {الكلمة} بمئوية علمين كبيرين من أعلام الثقافة العربية والعقل الإبداعي النقدي العربي وهما نجيب محفوظ ومحمود المسعدي، حيث يتناول الناقد الدكتور صبري حافظ في دراسته تعامل كل منهما مع سؤال البدايات، وعلاقة اختيارات كل منهما بمشروعه الأدبي وسياقات تلقيه، ومآل كل مشروع في مئويته. وضمن محور العدد يكتب الباحث ممدوح فراج النابي عن "الرواية التاريخية: تمثل أم تجاوز للواقع" وتأتي هذه الدراسة المهمة لبداية نجيب محفوظ في الرواية التاريخية لتكشف لنا كيف تتمثل الرواية التاريخية الواقع كي تتجاوزه، وتقدم لنا رؤية مستقبلية للتحرُّر عبر روايات استعارت مداراتها النَّصية من التاريخ الفرعوني، كي تقدم الحلول لمشكلات الحاضر. ورغم أن الثورة المضادة التي تحكم مصر لم تحتفل بمئوية نجيب محفوظ، لأن الاحتفال به احتفال بقيم الثورة والوعي النقدي التي يسعون لوأدها، فإن العقل المصري الحر يأبى إلا أن يحتفل بمئوية هذا الكاتب الكبير وبالقيم التي أرساها، برغم محاولات السلفيين المستمرة لاغتياله فعليا ومعنويا، وهكذا يقرأ الشاعر المصري فرانسوا باسيلي "مئوية نجيب محفوظ وترانيم التنوير". أما أحمد صبرة فيكمل محور الكلمة حول مئوية نجيب محفوظ، في "رغم أنف سلفيي مصر .. سيبقى نجيب محفوظ" حيث يتصدر أدبه مقالة الباحث، كمكون هوياتي ثقافي، يطوي بين طياته مختلف تجليات الشخصية المصرية المنفتحة على التاريخ، بالتعارض مع سطحية مفهوم "حزب النور" الجوهراني الإقصائي وحتى الديني العنصري.
وعن "تعاليق يسر تقسيم السودان وعنصرية العرب" تطرح الباحثة السودانية خديجة صفوت موضوع تقسيم السودان، في علاقته الجدلية وتعالقاته التفصيلية مع الحاضر العربي والصراعات المالية على ثروة عالمنا العربي ونفطه ومائه وتكشف عن العلاقات المضمرة بين ما يدور في الغرب الأمريكي وما يدور في عالمنا العربي من مؤامرات على بلدانه وعلى ثوراته في آن. في دراسته "الربيع العربي وصيفه الإسلامي" يسعى الباحث والناقد المغربي سعيد يقطين إلى موضعة تحول الربيع العربي المترع بالأمل إلى صيف إسلامي محبِط في سياق أوسع، من العلاقة الإشكالية بالغرب، وتجييش الإسلاميين لتحقيق مصالحه إبان الحرب الباردة، ثم انقلابه عليهم بعد أحداث 11 سبتمبر، إلى إشكاليات الهوية ببعدها العربي لا الإسلامي وحده. ويستعيد الناقد السوري صبحي حديدي في "محمود درويش قصيدة الحب والنداء الملحمي" درسا في التحليل النقدي المرهف للمجموعة الشعرية عند شاعرنا الكبير، تموضعها في سياقها من نصه الشعري الأوسع من ناحية، وبسياقات الشعر العالمي وفنونه من ناحية أخرى، ليكشف لنا قدرة المجموعة على اجتراح آفاق جديدة في التجربة الشعرية العربية وفي دور الشعر في إضاءة العالم. وفي زمن الثورات العربية يستحضر الباحث العماني سالم آل تويه أعمال أحمد الزبيدي، أبرز كتاب ثورة ظفار، يدرس عالمه، ويقدم نموذجا من روايته غير المنشورة، وشذرات من حديث مهم معه حول الثورات العربية. وبمناسبة مرور نصف قرن على رحيله تقدم {الكلمة} دراسة للباحث عادل سمارة عن فرانز فانون، المفكر والمناضل المارتينيكي الذي رفد الفكر بالعمل، وانخرط في الثورة الجزائرية. وهي دراسة تكشف عن كيف غير فكره تصوراتنا عن التجربة الاستعمارية والمثقف، وكيف أن استقاصاءاته وكشوفه الباهرة مازالت قادرة على إضاءة حاضرنا العربي.
ويحتفي باب شعر بقصائد الشعراء السورية هالا محمد، والفلسطينيان فراس حج محمد وسامي مهنا، المصري حسن النجار، المغربية فتيحة أولاد بنعلي، والسوري يوسف حسين الحمود. أما في باب السرد فتنشر الكلمة رواية للكاتب المصري أشرف الصباغ موسومة ب "يناير" حيث ينبني النص الروائي على المفارقة بين شخصياته الروائية الدالة على نماذج متباينة والواقع الاجتماعي الذي يمور بإمكانيات التغيير وإرهاصاته. وتتوازى حوارات تلك الشخصيات وهواجسها والعوالم الافتراضية مع أحداث انتفاضة يناير 77، وتتخلق أسئلة شائكة يكتسب بها النص حيويته من تعدد الخطابات والأصوات. كما يكتب القاص الفلسطيني نبيل عودة رواية قصيرة جدا "انتفاضة" حيث السخرية المريرة في نوع من الساتاير السياسي، ومن خلال وجهات النظر المتباينة لهذه القضية والتفاصيل المتكاثرة تتكشف لنا مأساة ومعاناة الفلسطينيين فوق أرضهم المسلوبة. هذا الى جانب نصوص المبدعين: سامية بن دريس، عبدالواحد الزفري، خير الدين الطاهر جمعة، تامر علي، سعيدة تاقي.
في باب النقد، يقرأ الكاتب سمير سعيفان "عقل بشار الأسد" حيث يلج في متاهات تلافيف دماغ طوطم الديكتاتور ليستبين طبائع جوابه الاستبدادي مع الشعب المنتفض، فتتبدى على سطح المقالة فظاعة الرد "الرسولي" للطاغية في سبيل تحقيق المسار الخلاصي لنظامه المافيوي الاستبدادي. أما الباحث سلامة كيلة فيقرأ سياقات "المقاومة والانتفاضة السورية"، وهو سياق يقوم على إسقاط نظم الطغم المافياوية، وفتح أفق التحرر. وليس الحديث عن «استعداد لحرب إقليمية»، سوى وهم يعمم للتغطية على ما يجري في سوريا. الكاتب زيد الحلي يقارب جماليات لوحة "الجنازة" للفنان فيصل لعيبي حيث "دمع الألوان في موكب حزين" مقالة تؤكد مقولة تعالق المنجز الفني مع آن راهنه وما يفيض عنه من زمان آت، ليغدو الإبداع فعل استشراف واستنفاد لحدود الممكن. الشاعر عبدالوهاب الملوح يخبرنا "ليس ثمة جديد نخبركم به أيها الشهداء" فبعد انطواء عام على ثورة الياسمين، ينكب الكاتب على الحوار مع الشهداء، يعرض للقارئ وصلة تاريخية مسحت مسار تونس لشهور مضت، ويفضح تلاعب بعض التيارات السياسية على لجم القوة الثورية في دوامة المصالح الضيقة. في "شخصيات امبريالية في تاريخ البحرين" يقد الباحث البحريني يوسف مكي قراءة دالة على وشائج العلاقة التاريخية، على امتداد قرن من الزمان، بين سلطة المشيخة البحرينية، وبين الإدارة الاستعمارية والامبريالية، البريطانية والأميركية، للهيمنة على المنطقة والسيطرة على خيرات البلد وقمع كل حركات التحرر فيها. وتقارب الناقدة سليمة محفوظي "الخطاب الأدبي ومقتضيات التلقي" حيث تقارب المسافة الفاصلة التي تميز القول الإبداعي عن الخطاب الشفوي. ويقدم الكاتب العراقي مهند العزاوي قراءة لفحوى إعلان انتهاء الحرب والانسحاب الأمريكي من العراق حيث وسمه ب"انسحاب على أجنحة الفوضى"، بينما يتناول الكاتب آن شومان قضية "البغاء: اختيار حر أم عبودية؟" حيث يعرض مسحا لكيفية التعامل معها أخلاقياً وجنسانياً ونسوياً واقتصادياً. ويعرض الكاتب حيرش بغداد محمد وجهة نظره حول "الثورات العربية: البدايات والنهايات" على خلفية أجواء الأزمة العالمية، في حين، يختتم الكاتب مأمون شحادة باب النقد ب"غينغريتش" ونظرية اختراع التاريخ!" كاشفا مخططا تهويديا، يتغيا اختراع تاريخ مزيف جديد.
أما باب مواجهات/ شهادات فيقدم محور احتفال (الكلمة) بالثورة التونسية، بادئا بشهادة الكاتب المصري وحيد الطويلة ويومياته أيام اندلاع الثورة التونسية. تلك الثورة التي فتحت طاقة أمل في الأفق العربي المسدود، وحطمت يد القهر الغليظة في تونس، فانطلقت طاقتها المعدية لتحطم، ولاتزال، بنية القهر والاستبداد في الوطن العربي. ثم يكمل ذلك بشهادة مصطفى عبدالله عن وقائع احتفال تونس، في قلب سيدي بوزيد التي انطلقت منها الثورة، بالعيد الأول لاندلاع شرارتها. ينهيه الكاتب المصري بتضمين أحد أوراق الندوة التي اقيمت فيها، وهي ورقه لأحد أبناء سيدي بوزيد بعنوان «هل يكمل الأحفاد ما بدأه الأجداد؟ محاولة في التأصيل التاريخي لثورة الكرامة» يؤصل فيها لها، ويربطها بتواريخ انتفاضات الهامش التونسي. أما في باب علامات، فتعود مجلة "الكلمة" لعام 1923، وتحديداً لمجلة "الكرمة" الصادرة في ريو دي جانيرو، لتقتبس منها خطاباً لمحررتها النسوية سلوى سلامة، التي طوى النسيان والاجحاف ذكرها ومعرفتها في بلدها الأم سوريا.
باب مراجعات وكتب، افتتحه الكاتب محمود خير الله بمراجعته لكتاب المفكر المصري الكبير سمير أمين حيث تكشف آليات عمل الأعداء الثلاثة لأي نهضة مصرية: أمريكا والسعودية وإسرائيل. وتترجم الكاتبة ليلى المالح مقتطفا من كتاب "أصوات عربية من الشتات: منظورات نقدية للأدب العربي الأنجلوفوني" ويعنى هذا النص المترجم بإلقاء نظرة عن وضع الأدب العربي الأمريكي منذ سبعينيات القرن العشرين. أما الناقد الفلسطيني ابراهيم درويش فيقربنا من الكاتب البريطاني الجدلي والمتقلب كريستوفر هيتشينز، والذي قاد حياة متطرفة ومتناقضة وجدلية. ويواصل الناقد المغربي عبدالرحيم مؤذن سلسلة مقارباته في القصة القصيرة المغربية الأخرى ويقدم في هذا العدد تجربة شابة سبق أن انتبهت لها "الكلمة" مبكرا ونشرت بعضا من قصصه: القاص أيمن قشوشي. وتراجع الباحث الفلسطينية نجمة خليل حبيب كتاب "محطات ومواقف من سيرة مهاجر" وهو كتاب صدر حديثا هناك يتناول من خلال رؤية واقعية، صورة بانورامية للمجتمع العربي في أستراليا. وفي قراءة فيلمية لأحد أفلام المخرج السينمائي ريدلي سكوت، يقدم الناقد المغربي سليمان الحقيوي فيلما يكشف مآزق الحروب الصليبية. ويعود الناقد محمد بوعزة في هذا العدد من الكلمة لتقديم أحد إصدارات الناقد عبداللطيف محفوظ حول سيميائية الرواية وهو كتاب يشكل أحد مداخل فهم آليات إنتاج النص الروائي، ويختتم الكاتب محمد العناز هذا الباب بمراجعة لكتاب يرصد "ظاهرة المحلية في السرد المغربي" يسعى فيه لاستنطاق نصوص الرواد كي يكشف عبرها عن خصوصيات المجتمع المحلي المغربي.
بالإضافة إلى ذلك تقدم المجلة رسائل وتقارير و"أنشطة ثقافية"، تغطي راهن الوضع الثقافي في الوطن العربي. لقراءة هذه المواد اذهب إلى موقع الكلمة في الانترنت
:



http://www.alkalimah.net

الأربعاء، 4 يناير 2012

الكتابة في اختبار الجنون


الكتابة
في
اختبار الجنون

بقلــــم
جاكوب روغوزينسكي

ترجمــــة

بيسان بن ميمون
(شفشاون /المغرب)




ماذا يكون الكاتب إذا كان مجنوناً؟ ألا يكون العمل الذي ينجزه، في هذه الحالة مجردَ عرض مرضي، أو الحاجزَ الأخيرَ الذي يفصل عن الخرف؟ هذه عودة إلى أسئلة قديمة جداً، في الوقت الذي تُنظَّمُ في مارسيليا لقاءات مخصصة لأنطونان أرطو.
الشعراء مجانين، ويستحيل أن يكون المرء شاعراً حقيقياً دون أن يجتاز تجربة الجنون. وأفلاطون بلا شك هو أول من أكد ذلك عندما احتفل في الـ "إيون" و" فيدر"بالجنون الشعري، ذلك المس الانتشائي الذي تلهمه آلهة الشعر: لأن "الشاعركائن مجنح، خفيف، مقدس، غير قادر على الإبداع قبل أن يُلهمَ، ويحركَه خارج ذاته إحساس عنيف، ويفقدَ استعمال عقله". فجنون الشاعر إذن لا يمكن فصله عن نوع من الارتباط بالمقدس والإلهيِّ. لكن هذا المديح هو أكثر إبهاما مما يبدو عليه، لأن أفلاطون يريد في الحقيقة أن يظهرَ لنا أن الشعر لا يرتكز على عِلم ولا على معرفة حقيقية، وأنه قد لا يقدر إذن على منافسة الفلسفة. فإذا كان الشاعر، بل وحتى العاشق، مصابين بـ " جنون إلهيٍّ "، فإنه على النقيض من ذلك لا وجود للجنون الفلسفي. وهكذا فأفلاطون يجعل من الشعر شيئا مقدسا، ولكن ليقصيَهُ بشكل أفضل. ونعلمُ أنه كان يعتزم طرد الشعراء من المدينة الفاضلة. يمكننا أن نتبيَّن في ذلك حركة دفاعية (ضد جنونه الخاص، جنون قادر على أن يعدي العقل؟) تفترض مسبقاً خطا فاصلاً واضحا، بين عقلانية اللوغوس، وجنون القصيدة .
وسيعبر هذا التقسيمُ القديمُ القرونَ، وسيعاود الظهور في الأزمنة الحديثة، في شكل مختلف قليلاً. وقد استمر تأكيد وجود رابط أساسي بين الجنون والشعرـ أو الأدب بصفة أكثر عمومية ـ لكننا أصبحنا نرى تعارضاً بين أولئك الذين يقدسون الكاتب، بموجب جنونه وأولئك الذين يحاكمونه باعتباره "معتوهاً" "مريضاً عقلياً ". يرتكز التقسيم بين العقل والجنون دائما على عِلم، لكنه لم يعد علم الفيلسوف ـ الملك: إنه علم الطب النفسي الحديث، علم أولئك الأطباء الذين وضعوا نرفال، موباسان، أرطو وآخرين كثيرين، تحت حجر المصح العقلي، وأقصوا كتابتهم باعتبارها نتاجا مرضياً. "لغة معقدة عجيبة، كلمات جديدة متكلفة، تناقض في المعنى، صو ر نمطية وتكرار وجناس لا قيمة له": كلها أعراض تعرَّف عليها طبيب نفسي ألماني في القصائد الأخيرة لهولدرلين، الأمر الذي جعله يشخص لديه"شكلا فصاميا للتخلف العقلي الحاد". وفي حين لا يرى الطب النفسي في جنون الشعراء إلا هذياناً، أي وهما مرضياً، تمّ تمجيده على العكس من ذلك باعتباره إيحاءً بحقيقة خفية. وهكذا وُلدت في القرن التاسع عشر الأسطورةُ الرومانسية "للـشاعر المجنون"، حارس المعرفة السرية. عندما تتطرق بيتينا فون أرنيم إلى انهيار هولدرلين ـ وقد كانت هي بذاتها كاتبةً وملهمة َجوته ـ تؤكد أن " قوة إلهية غمرته بأمواجها، وهذه القوة هي اللغة التي أغرقت حواسه باندياح قواها ـ"نعمǃ لابد أنه ضاجع اللغة حقيقةً. الأمرهكذا: فالذي يكثر من التردد على الآلهة بخشوع مفرط، تَحكُمُ عليه بالبؤس . وليس من قبيل الصدفة أن نجد هذه التيمة في نفس العصر عند شاعر أُدخل مصحا عقلياً هو جيرار دي نرفال، الذي حاول جاهداً وبلا أمل، أن يقنع أصدقاءه وقراءه بأنه ليس "مختلاً"(1)بالمعنى الكلينيكي للمصطلح،وإنما هو راءٍ مُطـَّـلِعٌ يضطهده أولئك "الأطباء والمفوضون الذين يسهرون على ألا يُسمعَ نشيد الشع":"اعترفْǃ اعترفْǃ كانوا يصيحون في وجهي كما كان يُـفعل في الماضي بالسحرة والمهرطقين، ولأُنهيَ ذلك، وافقتُ على أن أدعهم يصنفونني كمصاب بمرض يُعَرفه الأطباء "، الذين منحوا أنفسهم إذن "الحقَّ في السيطرة على كل الأنبياء والرائين، وإسكاتهم". وهو نفس الغضب الذي أدت تسع سنوات من الحجر الصحي، والعلاج بالصدمات الكهربائية، إلى احتدامه، والذي يستند عليه الكلام العنيف الذي وجهه أرطو ضد "الدناءة العليا للأطباء النفسانيين" التي تجعل من الطبيب " نوعا من العدُوِّ الفطري الأصيل لكل عبقري".

" خطُّ الانهيار"

يستمر هذا التقديس نفسه للجنون من أفلاطون إلى الرومانسيين، ثم إلى السورياليين، وإلى التيار المعاصر المضاد للطب النفسي، وهو تقديس يَعتبِـرذلك الجنون المصدر الأهم للإلهام الشعري. ونجده في الـ"أنتي ـ أوديب"لدولوز وغاتري، عندما يدعمان فكرة أن عمل أرطو قد يكون"إكمال إنجاز الأدب، وبالضبط لأنه مصاب بانفصام الشخصية". لا يتعلق الأمر إذن بالبحث عن علاج للجنون، بل أن يصبح المرء أكثر جنونا من ذلك، ويسير دائماً أبعد في "خط الهروب الكبير" لانفصام الشخصية:"لنذهب دائماً أبعد، فنحن لم نجد بعد جسدنا دون أعضاء، ولم نفكك أنانا بما فيه الكفاية".بيد أنه يمكننا أن نتساءل عما إذا كان هذا الاحتفال بالجنون الإبداعي، لا يمس بالتجربة الفعلية لهولدرلين، نيتشه أو أرطو، وعما إذا كان لا يخطئ في تقدير مغزاها الآساسي. فجنون الشاعر، أو المفكر، بعيداً عن أن يكون مصدراً للإلهام، هو أولاً، في عصر حداثتنا، تجربة لحدٍّ، لصخرة يتوقف عندها مساره، ويختنق عندها كلامه. وهو يَختبِـرعندها ما سماه فوكو في الصفحات الأخيرة من كتابه " تاريخ الجنون" بـ "غياب العمل الفني". وما تكشفه التجربة الحديثة للجنون هو أنه "تقطع مطْلَق للعمل"، و"ترسم حافته الخارجية، وخط انهياره". ومع ذلك، يضيف فوكو على عجل ، فإن هذا الحد الأخير هو أيضاً، وكمفارقة، شرط لهذا العمل الفني وإمكانية ظهوره المحفوفة بالغموض:"يَختبر عملُ أرطو في الجنون غيابه ذاته، لكن هذا الاختبار،[...] كل تلك الكلمات التي تلقى ضد غياب أساسي للغة[...]،ذلك هو العمل ذاته: انحدار قويٌّ على هوة غياب العمل."وهكذا، فما يهدد بإسكات الكاتب قد يكون في نفس الوقت أكثر موارد كتابته سريةً. كيف نفسر هذه المفارقة؟ وكيف يحدث أن تلك الفترة التي يبدو فيها الجنون كغياب للعمل، تكون هي أيضاً فترة الكتابات الأولى للجنون، وفترة تلك الأعمال الرائعة التي ، من "أوريليا" نرفال إلى"رسائل من رودز"، حاولت أن تكتب الهذيان، وتستكشف هاوية اللامعنى من الداخل؟ لم تكن محاولاتٌ مماثلة ٌموضوعا قابلا للتفكير فيه، في القرون السابقة، عندما كان التقسيم بين العقل والجنون، يفرض ذاته كأمر بديهي لا جدال فيه. " ولكن ماذا ، صرح ديكارت، أولئك هم مجانين، ولن أكون أنا بذاتي أقل خروجاً عن المنطق، إذا حذوتُ حذوهم."أنا أفكر ،إذن لا يمكن أن أكون مجنوناً. وفي هذا السياق ، ظل الجنون تيمة أدبية بين تيمات أخريات، لا تُلزم قدَرَ الكاتب بشئ، ولا تنال من يقينه أنه ليس مجنوناً: فعندما كتب راسين الحوار الداخلي لأورست في نهاية "أندروماك" وصَفَ من الخارج هذيان البطل. أو تعلق الأمر، كما في "مديح الجنون" لإ يرازم، بمجرد مجاز يسمح بنقد عيوب المجتمع المعاصر(قد يمكننا قول الشئ ذاته عن "مذكرات مجنون"لغوغول، لولا أن ما نعرفه عن حياة المؤلف، وسمات أخرى لعمله، يعطي لهذا النص مغزى أكثر حميمية وإقلاقاً). إن اليقين الأكيد لذلك التقسيم هو ما ينقص عصر حداثتنا، حيث يُقدِّم الأدبُ ذاته منذ الآن، كتجربة للحدود. وهو نقص وُجدتْ نذرُه سابقاً في التكرار الممل والمهووس، في عمل الماركيز دو سادْ، وفي رغبته المحتدمة، في أن يقول كل شيء ("يجب على الفلسفة أن تقول كل شيء، إلى الحد الذي ترتعد معه، فرائص البشر من ذلك")، وذلك حين يقوم الشاذ والداعر السادي، في سعيه الجاهد إلى تعليل جرائمه عقلانيا، بقلب عقل عصر الأنوار ضد ذاته، وجعله في خدمة جنونه الإجرامي. لكن أدب عصرنا لا يخلخل فقط الحد بين "الفضيلة " و"الرذيلة "، والخير والشر، بل إنه سيقوم بخرق كل الحدود التقليدية بين العقل والجنون، الطبيعي والمرضي، أو أيضا بين الفن والحياة، بدءاً بذلك الفاصل الأهم الذي فرَّق دائما بين الإلهي والإنساني. عندما يحاول في كتابه "ملاحظات حول أوديب، ملاحظات حول أنتيغون" عرضَ "تقديم التراجيدي"، أي أسلوب وهدف التراجيديا الحديثة، يعرفها هولدرلين بأنها اختبار للفظاعة وما لا يحتمل، حيث "يتزاوج الله ـ و ـ الإنسان و[...] وبالقضاء على كل حد ،تغدو قوة الطبيعة الفجائية التي تهز النفسَ، ومكنوناتُ الإنسان "شيئاً واحداً "في سوْرة الغضب". وهذا اللبس المرعب بين الإلهي والإنساني هو ما يجهد نفسه في مقاومته بأن يَفْرِضَ عليه وقفة عروضية في منتصف البيت وتشويق ابتعاد الشعر عن القاعدة حيث "ينتقى ذلك التوحد غير المحدود عبر انفصال لا نهائي". يجري كل ذلك في الحقيقة كما لو أنه يتخوف في ذاك الغضب "المبالغ فيه" من اقتراب الجنون المهدد الذي كان سيغمره قريبا. سنخطئ إذا رأينا في ذلك مجرد تكرار لفكرة أفلاطون الرئيسية عن الجنون الشعري الذي تلهمه الآلهة. إن ما يرتكز عليه فكر هولدرلين هو، على النقيض من ذلك، إحساس داخلي مسبق بأن "الأب أشاح عنا بوجهه" ، و بأننا نعيش في زمن الحداد وهروب الآلهة. و انسحاب الآلهة هذا هو الذي يجعل "الرغبة التي لاتطاق في أن يكون الشاعر كل شيء" أكثر حدة وخطورة بنفس الدرجة، وهو يصف في "هيبريون" ذلك الجنون المتمثل في رغبته أن يصبح إلها مكان الإله،.
ليس بأمر قليل الأهمية أن "أخرقَ" هو الذي سيعلن بدوره في "العلم المرح" نبأ موت الله؛ و يصوره كسقوط بلا نهاية في الفراغ ("ألا نسقط دون توقف؟ إلى الوراء، إلى الجنب، إلى الأمام، إلى كل الجوانب؟[...]ألا نهيم عبر عدم ٍلانهائي؟")؛ ويدعونا، نحن قاتلي الإله، إلى أن نصبح نحن أنفسنا آلهة كي نبدو جديرين بهذا الفعل". كيف لا نقرب بين دعوة الأخرق هذه و انهيار آخر سوف يدفع المفكر، بعد بضع سنوات من ذلك، إلى توقيع "ديونيزوس" أو "المصلوب"؟ أن يصبح المرء الإله، أن يصبح الآخر، أن يصبح كل الآخرين... في رسالة كتبها مباشرة قبل أن يغوص في الصمت، يعلن نيتشه أنه الإله، و أنه هو "الذي صنع هذا الكاريكاتير" الذي هو العالم، بل هو أيضا ملك إيطاليا و عدة شخصيات أخرى: "في العمق، كل أسماء التاريخ هي أنا"

العنوان الأصلي لهذا المقال:
L’écriture à l’épreuve de la folie
عن "لوماغازين ليتيرير"(المجلة الأدبية) الفرنسية، عدد 513، نوفمبر(تشرين الثاني)2011ص.ص:8 ـ 10

الثلاثاء، 3 يناير 2012

المهرجان الثقافي الثاني لكلية الطب


المهرجان الثقافي الوطني الثاني
ل
لقصة والشعر
ب
كلية الطب والصيدلة


تنظم الجمعية الثقافية والرياضية لموظفي كلية الطب والصيدلة بالدار البيضاء ، المهرجان الثقافي الوطني الثاني للقصة والشعر

تحت شعار
"سحر الكلمات في تجليات الإبداع "

أيـــــام
13/14/15 ينايــــر 2012


برنامج المهرجان
الجمعــة 13 يناير2012
من الساعة 3 إلى 5 بعد الزوال
قراءة شعرية اولى
- إسماعيل زويريق مراكش
- محمد بوجبيري الدار البيضاء
- محمد عنيبة الحمري الدار البيضاء
- عبد الله الطني مكناس
- أحمد باهيشاوي بني ملال
- محمد العرش الدار البيضاء
- مليكة صراري الدار البيضاء
- عبد السلام مصباح الدار البيضاء
ôتسيير عزالدين النملي مكناس

استراحة شاي 30 د

من 5.30 إلى 7.30
قراءة شعرية ثانية
- توفيقي بلعيد الدار البيضاء
- عبد النور إدريس مكناس
- عمر لعسري الدار البيضاء
- محمد الرويسي الدار البيضاء
- عبد الرحيم هري الدار البيضاء
- ثورية القاضي الدار البيضاء
- مصطفى لهروب الدار البيضاء
- عز الدين لغزاوي الدار البيضاء
ôتسييرفيصل الشرابي

السبــت 14ينايــر 2012
على الساعة العاشرة صباحا
ندوة الشعار
المشاركون :
- عزالدين النملي
- عبد الرحمان الخرشي مراكش
- محمد إدارغة مكناس
- أحمد طايعي الراشيدية
- محمد يوب الدار البيضاء
- عبد المجيد عابد مراكش
- مسلك ميمون أكادير
ôتسيير عبد النور أدريس

فترة الغذاء

من الساعة 3 إلى 5 بعد الزوال
قراءة قصصية أولى
- عبد الحميد غرباوي الدار البيضاء
- عبد النور إدريس مكناس
- عبد الإله حبيبي تطوان
- المهدي لعرج سطات
- نورالدين محقق الدار البيضاء
- مصطفى لغتيري الدار البيضاء
- مبارك حسني الدار البيضاء
أنيس الرافعي الدار البيضاء

استراحة شاي 30 د

من 5.30 إلى 7.30
قراءة قصصية ثانية
- جبران كرناوي برشيد
- أحمد شكر الدار البيضاء
- فاطمة جوهاري الدار البيضاء
- محمد محقق الدار البيضاء
- محمد كويندي الدار البيضاء
- أحمد لطف الله الدار البيضاء
- سعيد رضواني الدار البيضاء
محمد

ضيوف الشرف:
- صفية أكطاي
- فيصل الشرابي
- سعيد بناني
- فاطمة زريويل

الأحــد 15 ينايـــر 2012
على الساعة 10
توقيع كتاب للمؤلف عبد الله المتقي
اختتام المهرجان بتوزيع شهادات التقدير



مالكة عسال




الأحد، 18 ديسمبر 2011

بهاء مصباح

بقلـــــم
الشاعــــر
أحمــد بنميمــون


في الكتابة عنه، لا أدري أأهدأ مستسلماً لتداعي ذكريات عمر جميل مضى؟ أم أنقادُ لأقصى درجات التوتر التي تحكمت في توجيه بوصلة الكتابة لدى جيلنا ـ أنا وهو ـ؟ ذلك أن اسم الشاعر(عبد السلام مصباح) يتجاوز في معناه مجرد الدلالة على شخص بعينه، إلى الدلالة على مخاضات مراحل طويلة متعددة، من تاريخ القصيدة المغربية الجديدة، فمنذ بدأ يخط حروفه الأولى في منتصف الستينات، أدرك أن القصيدة حتى تتكون بشكل أو بآخر على الورق، تفرض ليس مجرد تحديد الغرض الشعري، حتى تنبثق الأنشودة، بل تستوجب المبادرة إلى تأسيس قواعد كتابة شعرية جديدة، تستدعي أول ما تستدعي إعادة النظر النقدية في المنجز الجمالي التقليدي ، وحتى الرومانسي ، والتهيؤ لإنشاء خطاب شعري ٍّ ، يحس كلّ ُ من يقرأ القصيدة الجديدة ، أنه جزء من مشروع تكوّن عبر تراكمات إبداعية ، لتتشكل ملامحه في نتاج مجموعة شعراء أدركوا منذ أن اختاروا الكتابة الشعرية، أنها عملية صعبة ومعقدة، حينما تتجاوز المألوف، ولا تقف عند مجرد تأمل العالم، وعلاقات عناصره الفنية والمعنوية، ومكوناته الجمالية والفكرية، لتكون القصيدة شهادة جيل يكتبها بدمه ولحمه، هو جيل الشهادة والاستشهاد ـ كما عبر عن ذلك برموزه، وكما أوضح ذلك مساره، فقد كان في الرمز والممارسة، لا يفصل الإصغاء إلى نبض الحياة ، عن البحث عن وسائل جديدة من خلال تجاوز لغة ترهلتْ بمساحيق بلاغية تقليدية، والرهان على لغة جديدة تجاهد لتخليص القصيدة من شرنقة الصيغ البالية والتراكيب المألوفة.
وإذا كانت قصيدة(مصباح) قد حققت منجزا جماليا ما يميزها، فذلك أنها لم تقع في شرك الكتابة اللاواعية، التي تتوسل استحضار الأجواء السريالية، والرهان على استيحاء الحلم واستيهاماته. وهلوسة اللاوعي، تحت مسوغات ٍ هي مجرد ادعاء ، اعتقادا بأن القصيدة تقطع بينها وبين الواقع أو مرجعياتها جميعاً، وأنها لا علاقة لها بالتاريخ. وأن الشكل هو قدر الكتابة الشعرية التي تحمل قيمنها في ذاتها ،ذلك مذهب من يقول بأن الشكل يقول المضمون، متناسياً(أن كثيراً من الشكلية يخرج من التاريخ وأن قليلا منها يعيد إليه"بارت") فالقصيدة إذن، ليست شكلاً محضاً ، كما أنها ليست مضمونا محضاً.
القصيدة بحث في الكتابة، بحث في التعبير ، ولذلك كان الشاعر الذي لا يتغير بين نص وآخر، شاعراً لا يتقدم، إن قيمة البحث في الكتابة يتجلى في مقدار ما يعربُ عنه النص من حيث كونه محطة ً، أو نقطة عبور، سرعان ما ينتقل الشاعر عنها، إلى محطة أخرى ، في رحلة كاشفة عن قدر عظيم من التوتر، لو توقف الشاعر عن الاستجابة له ، والإحساس به، لفقد مسوغات الاستمرار، وهكذا يمكن أن نستنتج ببساطة أن الكتابة الشعرية إما أن تكون إبداعية أو لا تكون ، وأنها لكي تستحق وصف الإبداعية ، يجب أن تكون مرآة للتطور والتغير والتحول.
وحتى لا نفصل بين الكتابة والعالم ، فعلينا ألا نستسلم لمذاهب تؤمن بالفصل بينهما .
وإذا كان (مصباح) لم يهتم بالتوقف النظري عند هذا الجانب ، فإن كتابته الشعرية الحميمة، المرتبطة بأشياء حياته الخاصة، والمحوِّلة لما هو عام إلى خاص أيضاً، لأنه حوَّل حتى ما هو عام في اللغة إلى لغة خاصة، وفي هذا إنجاز تاريخي، إذا كان (مصباح) لم يتفرد به، فلأنه علامة على انتمائه إلى جيل ارتقى بالكتابة الشعرة ، من مجرد الاستجابة لغرض شعري، إلى خلق خطاب ٍ شعريّ ٍ فيه "نقول" العالم، ونقول تجربتنا، بكل الصدق الذي لا يخشى دفع ضريبة الوعي، ماديا وروحيا. ولو أدى ذلك إلى الاستشهاد في سبيل إيصال الأغنية إلى مداها الذي تتحقق فيه.
تكلمتُ طويلاً ـ كما يبدو ـ عن الكتابة الجديدة، لأن (عبد السلام مصباح) وجه من وجوهها، وفي هذا كثيرٌ من بهاء أضوائه التي يفيض بها على قارئه في ديوانه (حاءات متمردة) وجانبٌ من مجده، فطوبى له. وهنيئا لنا به.


ô شهادة قدمها الشاعر في حق الشاعر عبد السلام مصباح بمناسبة تكريمه بمدينة شفشاون يوم 31/12/1999

الجمعة، 9 ديسمبر 2011


نَبْـعٌ صَـافٍ
مُمْتَشِـقٌ
لَـوْنَ الْـوَرْدِ
أَطْلَـقَ بَيْـنَ مَـدَارَاتِ النُّـورِ
هَدِيلَـهُ
ثُــمَّ...
طَـوَى جَفْنَيْـهِ
عَلَـى سِـرِّ جَلاَلِـهِ